في نهاية عام 1960 وأوائل عام 1961 التحقت بكادر القسم التركماني في إذاعة بغداد عندما كنت طالبا في كلية الحقوق بجامعة بغداد. وكنت قبلها قد أعددت برنامج ّ الطلبة والشباب ّ مع اثنين من أحبتي وزملائي وهما إحسان شفيق دميرداغ وجمال سلمان رحمهما الله. كان الأول في كلية الزراعة والثاني في كلية التربية. واستمر البرنامج فترة من الزمن حتى بعد أن تم اختياري للانضمام لفريق القسم وأنا في الصف الثاني من كلية الحقوق ولم أكمل بعد الثامنة عشر من عمري. كان في القسم التركماني آنذاك المرحوم سعيد صالح توركمن رئيسا للقسم، وكان إنسانا رائعا يسميه الجميع ” دايي سعيد”ّ أي “الخال سعيد”ّ وكان مشهورا بالسيجارة المتدلية من شفته السفلى والملتصقة بها دوما يغيرها كل ما خبت. والمعروف أن القسم بدأ برئاسة السيد رضا جعفر، وقد عين أثناء المد الشيوعي كرئيس للقسم لكونه شيوعيا، ولكن المرحوم الذي كان من أبناء قرة تبة كان شخصا دمث الخلق وموضوعيا إلى أقصى درجة، وقد تنازل برغبته عن رئاسة القسم وكلف السيد سعيد صالح برئاسته. كما كان في القسم المرحوم جمال عزالدين والمرحوم صباح علي توركمن وسعاد بزركان وفائزة نامق. كان العميد وحيد مسؤولا عن الأقسام المحلية، وكان من المعتاد أن يكون هناك شخص عسكري مسؤول عن كل قسم من أقسام الإذاعة والتلفزيون، وكان العميد وحيد كرديا ولكنه لم يكن يغلب هويته وقوميته على عمله ويقدر الكفاءة والعمل الجاد. وقد تطور القسم التركماني في تلك الفترة وكانت هناك برامج هامة كانت تسجل من قبل غير المنتسبين للقسم وتذاع من قبل المعروفين في الأوساط الأدبية التركمانية مثل حبيب الهرمزي الذي قدم برنامج ّ دنيا الشعر ّ ثم طلبنا منه أن يقدم برنامجا حقوقيا حافلا بالاستشارات القانونية وهو برنامج “على أبواب المحاكم”، وعبد الخالق بياتلي الذي كان هو الآخر يقدم برنامجا أدبيا وشاكر صابر زراعتجي وركنه المشهور “ركن الزراعةّ” والذي كان يقدم بمقدمته المشهورة بنغمات أغنية ّ صونامز كولده قالدى وإحسان صديق وصفي والذي كان يقدم برنامجه الأكثر استماعا ” دالدن داله، قونجة كوله” أي ما معناه “من كل غصن إلى الوردة المتفتحة”. كما كانت السيدة سميرة المفتي تقوم بإعداد حلقات “ركن المرأة” وكنت أقدمها مع زميلتي سعاد بزركان. في ذكرى انقلاب الرابع عشر من تموز( يوليو) الثالثة عام 1961 حققنا سبقا إذاعيا لنقل وقائع الاحتفال في كركوك من خارج الاستديو. آنذاك لم تكن وسائل النقل الحي المباشر متوفرة، فتم إيفادي كمذيع والمرحوم صباح توركمن باعتباره فنيا ومسؤولا عن التسجيل إلى كركوك حاملين أدوات التسجيل الثقيلة حيث سجلنا لقاءا مع قائد الفرقة الثانية في مكتبه بقشلة كركوك وسجلنا وقائع العرض العسكري في صباح الرابع عشر من تموز في معسكر كركوك، وقد تمت إذاعة هذه البرامج في القسم التركماني فور رجوعنا إلى بغداد، ليس في القسم التركماني وإنما في القسم العربي أيضا حيث سجلنا ملفاتنا باللغتين. في عام 1962 وفي يوم عادي من أيام عملنا حدث حادث اختراق طائرات تركية للأجواء العراقية لملاحقة طائرات عراقية كانت قد خرقت المجال الجوي التركي وأسقطت إحداها بالقرب من شقلاوة. أصدرت الحكومة العراقية بيانا شديد اللهجة كان فيه تحريف للحقائق بكل صراحة. وعندما جاءنا البيان كلفت أنا بترجمته وعندما ترجمت جملة واحدة فقط توقفت عن الكتابة وقلت إن هذا التصريح مخالف للواقع، قال لي من حولي أننا لسنا في موضع الاعتراض بل نذيع ما يأتينا، ولكنني وبعدم توخي أو توقع النتائج تركت موقعي ثم سافرت إلى كركوك لمدة ثلاثة أيام بإجازة اضطرارية. عندما عدت إلى بغداد وتوجهت لمبنى الإذاعة في الصالحية اعترضني موظف الاستعلامات في البوابة طالبا مني التوجه فورا إلى مكتب المدير العام. عندما دخلت المكتب استقبلني مدير المكتب الخاص بتجهم وبقليل من الشفقة ثم استدعيت إلى مكتب المدير العام حيث وجدت لجنة من رئاسة الأحكام العرفية التي كانت سائدة في تلك السنين. وفور دخولي الغرفة فتح احد الضباط دفتر التحقيق وأعلموني أنني والمرحوم سعيد صالح محالان على التحقيق من قبل الرئاسة، عندها اكتشفت أن سعيد صالح قد أتم الترجمة التي تركتها ولكن لم يطاوعه قلبه لترجمة الافتراءات والتجريح والكلمات البذيئة فتمت إحالته للتحقيق معي، أنا بدعوى رفض الأوامر الموجهة لي وهو بدعوى تحريف البيان. استمر التحقيق معنا أكثر من شهرين، كنا ندعى إلى التحقيق مرتين في الأسبوع تقريبا وتم منعنا من الإذاعة والترجمة أثناء تلك المدة. وكان نجاتنا من أقصى العقوبات أو ربما السجن بفعل تدخل المرحومين الدكتور مردان علي رئيس نادي الإخاء التركماني والشهيد عبد الله عبد الرحمن الذي ترأس نادي التركمان فيما بعد اسكنهما الله فسيح جنانه، فقد بذلا جهدا فائقا للدفاع عنا لدى أصحاب القرار رغم خطورة الوقوف معنا في تلك التهمة الخطيرة والتي لم نأخذها على محمل الجد. بعد بدء التحقيق معنا بأيام خرجت في يوم من أيام العطلة الدراسية متوجها إلى الإذاعة فرأيت شابا أمام الباب أبرز هويته الصادرة من مديرية أمن الرصافة وطلب مني تسليمه حقيبتي اليدوية للتفتيش ثم سار معي إلى موقف الحافلات التي كنت استقلها من الوزيرية إلى الصالحية حيث مقر الإذاعة، واستقل الحافلة معي متابعا إياي لحين دخولي مبنى الإذاعة. عندما خرجت في نهاية الدوام رأيت نفس الشاب ينتظرني ويرافقني في رحلة العودة. استمر الحال على هذا المنوال فقد كنت أتوجه عادة بعد الرابعة عصرا وهو موعد ختام بثنا إلى نادي الإخاء التركماني، وكان يرفض دعوتي للدخول واخذ قسط من الراحة في داخل النادي وشرب الشاي وينتظر خارجا لمرافقتي في ساعة متأخرة من الليل. كنت أحيانا أتوجه مباشرة من الإذاعة إلى إحدى دور السينما وعادة ما تكون سينما الخيام في الباب الشرقي ببغداد. فكان الشاب ينتظرني في قيض الصيف بينما كنت أتابع عرض الفلم في الصالة المكيفة. أشفقت فعلا على هذا الشاب الخلوق والريفي النشأة، وكان قد مر أسبوعان على الأقل على هذا الحال، فعرضت عليه يوما أمرا كنت أروم منه إراحته وإراحتي. قلت له دعني اذكر لك برنامجي اليومي صباح كل يوم ولا داعي لانتظاري في خارج المبنى الذي أنا فيه بل أعلمك بموعد خروجي لكي تحضر لمرافقتي، تردد في باديء الأمر ولكنني قلت له أنني أعطيه كلمة شرف أن لا أخل بذلك. كانت كلمة الشرف في أيامنا جديرة بالاعتبار ولا يمكن لأحد أن يخلّ بها، فوافق على الفور. فكنت اطلب منه مثلا أن يأتيني في الرابعة عصرا حيث أخرج من مبنى الإذاعة ثم اطلب منه أن يأتيني في الثامنة مساء مثلا على بوابة دار السينما المحددة أو التاسعة مساء على بوابة نادي الإخاء التركماني، والتي أصبحت قليل التردد عليه لمدة شهرين ونيف كيلا اتسبّب في إحراج أحد. كان الشاب يأتيني في الموعد المذكور لمرافقتي إلى البيت وكنت أؤكد له مثلا أنني سوف لن أغادر البيت بعد ذلك فيقفل راجعا على أن يأتيني صباح يوم غد. أثناء هذه الفترة كنا نتحدث عن التاريخ والثقافة والأمثال الشعبية، بل بدأ يسألني أحيانا عن شخص معين يسكن في نفس الحي قائلا أنه قد صدرت له التعليمات للتحري عنه. وعندما انتهت لجنة التحقيق من الموضوع بحفظه، رفعت عني الرقابة فارتحت وأرحت الشاب ” أمين” وكان ذلك اسمه. واللطيف أنني رأيت أمين بعد سنوات في موقف سيارات كريم آوجي بكركوك عندما كنت على وشك التوجه إلى بغداد، ودار بيننا الحديث التالي: – أمين، ماذا جاء بك إلى هنا. هل تراقبني هنا في كركوك بعد هذه المدة؟ – لا، يا عمي. لقد تم نقلي إلى مديرية أمن كركوك. وعندما مررت من هنا رأيتك بالصدفة فأحببت أن اسلم عليك! بعد ذلك بأشهر وكان الصراع السياسي في أوجه في العراق وكنا نحن الطلبة التركمان ضمن الجبهة الوطنية المتحدة التي كانت تضم حركة القوميين العرب وحزب البعث وحركة الإخوان المسلمين وحزب الاستقلال ورابطة الطلبة التركمان، أي جميع من هو في الصف المعادي للشيوعيين وحكم عبد الكريم قاسم، فقد صدر قرار بمقاطعة الامتحانات الربيعية التي كانت تجري في نهاية شهر كانون الثاني/ يناير 1963. عندها أصدر الحاكم العسكري العام قرارا بفصل أي طالب لا يحضر الامتحانات ويشارك في المقاطعة. كنا في حيرة من أمرنا فمستقبلنا كان على مهب الريح، وفي المقابل كان هناك موقف مبدأي تم اتخاذه، فقررنا في النهاية مع زميلي أكرم طه الامتثال لقرار المقاطعة وفوضنا أمرنا لله. انتهت الامتحانات التي حضرها عدد قليل من الطلبة ، أما طلبتنا التركمان فقد اشتركوا في المقاطعة بشكل كبير ولم يتخلف عن ذلك إلا من كان يساري الهوى، وهم قليلون. وبدأت العطلة الصيفية ونحن لا نعلم ماذا يخبيء لنا المستقبل، نتساءل هل ستحصل معجزة ما؟ وقد حصلت المعجزة، فقد استيقظنا صباح يوم الثامن من شهر شباط/ فبراير 1963 والموافق ليوم 14 رمضان على أصوات أزيز الطائرات وانفجار القذائف والقنابل. كان ذلك انقلاب عبد السلام عارف وحزب البعث على السلطة فألغيت جميع القرارات السابقة، وتم إعلان حظر التجول فبقينا في المسكن نتابع الأخبار من أجهزة المذياع. في ظهيرة اليوم التالي وكان حظر التجول لا زال ساريا، قرع جرس الباب فرأيت سيارة جيب عسكرية صغيرة في الباب وأعلمني عريف في الجيش أن الأقسام المحلية في الإذاعة ستبدأ البث بعد انقطاع يوم واحد وأنه مأمور لأخذي إلى مبنى الإذاعة لأكون على رأس عملي وكان ذلك في نفس الساعات التي استسلم فيها عبد الكريم قاسم بعد أن تمت محاصرته في قاعة الشعب المحاذية لوزارة الدفاع. مرت السيارة التي كنت استقلها مع المرحوم صباح توركمن الذي تم استدعاؤه أيضا في شارع الجمهورية وشهدنا تبادلا لإطلاق النار بين الجيش وبين بعض المناؤين للانقلاب ولكن السائق الماهر والذي كان يبدو أنه خبير في هذه الأمور قد قاد السيارة بطرق متعرجة وبكل مهارة ثم عرج على شارع الرشيد فجسر الأحرار والذي هوعلى نهر دجلة إلى صوب الكرخ ولمبنى الإذاعة. كان هناك ممر جنب المبنى الرئيسي للإذاعة ويحتله القسم الرئيسي العربي وكانت جثة العقيد وصفي طاهر المرافق الأقدم لعبد الكريم قاسم ممددة على عرضه. كنت أتردد في كل نصف ساعة على المبنى الرئيسي لاستلام نسخ البيانات وآخر الأخبار. أثناءها كانت تجري محاكمة عبد الكريم قاسم وفاضل المهداوي وآخرين ومن ثم إعدامهم. ألغيت البرامج المعتادة وتم فسح المجال للأقسام المحلية للبث ارتجاليا، وكان المبنى الذي يخصنا يضم القسمين التركماني والكردي، كنا نفتح الميكروفون ونذيع البيانات والأخبار دون تنسيق مسبق، ولضيق الوقت كنا لا نكتب صيغا مترجمة بل نقرأ أي بيان على الهواء مباشرة باللغة التركية (التركمانية) بالنظر إلى الأصل العربي. قبل الانقلاب بأيام كنت أتحدث مع رضا جعفر الذي كان رئيسا للقسم وتنحى عن المنصب بكل رحابة صدر وبدأ بالعمل كمترجم فقط لبعض النصوص، وكان قارئا نهما ومثقفا وحسن الخلق. وكان الجميع يعرف أنه شيوعي ولكنه لم يصطدم مع أي أحد منا إطلاقا. كنا نتحدث في أوقات الفراغ عن الأدب والكتب فقال لي أنه يقرأ حاليا كتاب ” أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث” لمؤلفه ستيفن هيمسلي لونكريك والذي ترجمه إلى العربية جعفر الخياط. كان رضا منكتا من الدرجة الأولى يلقي النكات و لا يضحك بنفسه مما كان يجعلنا نستغرق في الضحك. وعندما ذكر ذلك ترجم ذلك إلى التركية مازحا وقائلا: عراق تاريخندة 4 جوق. أي أربعة قرن كبش في تاريخ العراق، والمعروف أن قرون تعني في العربية جمع قرن من الزمان وجمع قرن الكبش أو الثور. بعد يومين وكانت الاعتقالات مستمرة وكان رضا جعفر مختفيا عن الأنظار، سمعنا من الراديو أنه قد تم إلقاء القبض على رضا جعفر من غلاة الشيوعيين في بيت صديق له، وأنه كان أثناء إلقاء القبض عليه يقرأ في كتابّ “أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث”، وللأسف تمت تصفيته دون محاكمة عادلة. جاءنا ضابط عسكري برتبة مقدم على ما اذكر للأشراف على عملنا وتقاسم معنا طعام الإفطار الذي كان مكونا من قطعتي خبز وبيضة مسلوقة أو بيضتين تقاسمناها مع العميد وحيد وسعيد صالح وجمال عزالدين وأعضاء من القسم الكردي. واستمر هذا النهج لعدة أيام إلى أن رفع منع التجول وعادت البرامج إلى أوضاعها الطبيعية. في هذه الحقبة حدث أمران هامان، فقد قرر نادي الإخاء التركماني، وكان آنذاك يشكل المطبخ السياسي للحركة التركمانية، أن ينظم مسيرة تشترك في المسيرات الجماهيرية التي تقرر انطلاقها في الثامن من شهر آذار (مارس) من عام 1963 بمناسبة مرور شهر واحد على انقلاب الثامن من شباط. تهيأ النادي لتنظيم الموضوع فابلغت الجماهير التركمانية من كل صوب للحضور إلى بغداد والاشتراك في المسيرة. قدمت وفود من كركوك واربيل والموصل وتلعفر والأقضية والنواحي التركمانية الأخرى فبلغ عدد المشاركين حوالي خمسين ألفا، والحق أن الموكب التركماني كان من أكبر المواكب واستقطب اهتماما كبيرا. انطلقت المسيرة من صوب الكرخ عابرة جسر الجمهورية فالباب الشرقي مخترقة شارع الرشيد ومنطلقة إلى الوزيرية حيث كان المجلس الوطني لقيادة الثورة يتخذ من مبنى البلاط الملكي السابق مقرا له. كانت مسيرتنا الوحيدة التي سمح لها باصطحاب سيارة وضعت عليها مكبرات الصوت وكنت مع الصديق صلاح نورس فوق متنها لإذاعة الشعارات والأهازيج التي كان يرددها المشاركون في المسيرة، وللحقيقة فإن السماح لضم سيارة إلى موكبنا قد حصل رغم الاحتجاج بفعل وإصرار الضابط التركماني عزيز قادر وكان آنذاك برتبة ملازم أول على ما أذكر وبادر للانضمام إلى قوى الانقلاب فكلف بحماية قسم من مدينة بغداد وكان مقره في النادي الاولمبي على مدخل الشارع المؤدي إلى الأعظمية. ولا أنسى أن التركيبة الصوتية قد تعرضت لعملية تخريب من قبل أحد المندسين بعد عبور جسر الجمهورية ولكن متطوعين تركمان وكهربائي متمكن أسرعوا إلى تأمين بعض الأدوات الاحتياطية من منطقة باب الشرقي رغم إغلاق أكثر المحلات ، فمر الموضوع بسلام واستمرت المسيرة بنجاح إلى مقر المجلس الوطني لقيادة الثورة وأمامه تعالت الهتافات والشعارات الخاصة بالتركمان أمام القياديين الذين كانوا على منصة التحية، وأذاعت الإذاعة العراقية والتلفزيون الرسمي مساء ذلك اليوم مقتطفات عن مسيرة التركمان. أما الأمر الثاني فكان أول حركة احتجاجية من قبل التركمان ضد نظام البعث الذي بدأ يكشر عن أنيابه بعد أشهر، وكما ذكرت فقد كان الطلبة التركمان ضمن الجبهة الوطنية قبل الانقلاب، وفي شهر أيار/ مايو تقرر إجراء انتخابات جديدة للإتحاد الوطني لطلبة العراق بعد أن تم إلغاء الاتحاد السابق الذي كان يهيمن عليه الشيوعيون. إلا أن الخلافات بدأت تظهر على السطح وأثناءها انسحب حزب الاستقلال من الحياة السياسية ولكن العنصرين الرئيسيين في الجبهة وهما حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي قررا الاشتراك بقائمتين مستقلتين ولم تفلح الجهود التي ساهمنا فيها في رأب الصدع والاشتراك في قائمة موحدة بسبب اتجاه البعثيين للانفراد بالقرار. كانت رابطة الطلبة التركمان في جامعة بغداد نشيطة وفعالة أثناء ذلك في العراق، بل أنها حققت أول تجمع طلابي بضم إضافة إلى طلبة جامعة بغداد ممثلين من الطلبة التركمان في إعداديات كركوك والطلبة التركمان الذين يواصلون دراساتهم في أنقرة واسطنبول، وكان ذلك بمبادرة وتدبير من الشهيد نجدت قوجاق الذي كان آنذاك لا يزال يدرس في كلية الزراعة في أنقرة. قررت الرابطة في اجتماع استثنائي تشكيل وفد مشكل من قبلي باعتباري الأمين العام لرابطة الطلبة التركمان ويصحبني اثنان من الزملاء وهما معروف حسين رضا وصفوت صفاء الدين للالتقاء برئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق مقداد العاني وعرض مبادرتنا عليه. استشرنا قبل البدء في الإجراءات قادتنا في الهيئة الإدارية لنادي الإخاء التركماني وبعد مباركتهم تم تحديد موعد للالتقاء بقيادة الاتحاد. حضرنا في الموعد المحدد في مقر الاتحاد وكان المكلف برئاسة الاتحاد قبل الانتخابات مقداد العاني قد استدعى الكثيرين من أعضاء اللجنة التحضيرية للاجتماع بنا. تم بيان موقفنا بأن على القائمتين الرئيسيتين الانخراط في قائمة موحدة وأن الطلبة التركمان سيؤيدون هذه القائمة ويشاركون فيها، وبعكس ذلك فإن الطلبة التركمان أينما كانوا سيقاطعون الانتخاب. وعندما لم يتحقق طلبنا كما توقعنا أصدرنا بيانا يدعو للمقاطعة وكان ذلك أول حركة احتجاجية ضد نظام البعث، وفعلا لم يتوجه الطلبة التركمان إلى صناديق الاقتراع في اليوم المذكور، بل شاركنا في ذلك طلبة الاعداديات في كركوك. ويذكر الكثيرون الوقفة الاحتجاجية الثانية ضد نظام البعث بعد ثمان سنوات من هذه الحادثة في الإضراب الطلابي الشهير للطلبة التركمان عام 1971 احتجاجا على التراجع عن الحقوق الثقافية للمواطنين التركمان وإغلاق المدارس التركمانية، وكان ذلك أيضا بتدبير ومباركة من الشهيد نجدت قوجاق أيضا واشتركت فيه المدارس التركمانية في كركوك واربيل والأقضية وحتى الطلبة التركمان في جامعة السليمانية رغم قلة عددهم. كان قد صدر قرار في المديرية العامة للإذاعة والتلفزيون بتعيين المقدم الذي مر ذكره والذي رافقنا أول أيام الانقلاب مديرا عاما، وأقر بأنه كان شخصا سمحا و ذا أخلاق عالية رغم أنه وقع بعد أشهر قرارا بفصلي من الوظيفة كما سيتم التطرق إليه لاحقا. وبدأ عهد جديد اشتدت فيه الرقابة على البرامج، ثم تم تعيين مدير القسم التركي الموجه مديرا للقسم التركماني أيضا، ولما كان الشخص المذكور من أعضاء الحرس القومي الذي شكله حزب البعث فقد سيطر على جميع مفاصل القسم. ثم بدأ سياسة واضحة لشطب كل ما هو تركماني، فالغى قسما من البرامج الأدبية ومنع استخدام لقبنا العائلي بل غير أسماء المطربين والفنانين إلى الاسم الأول واسم الأب فأصبح عبد الواحد كوزجي اوغلو مثلا عبد الواحد أحمد وعبد الرحمن قزل آي، عبد الرحمن عمر وهكذا دواليك. بعد فترة تم منعي من البث سواء في الأخبار أو البرامج بدعوى أنني أتحدث في البث باللغة التركية وليس التركمانية، وكان المذكور يعرف أن التركية هي لغة الكتابة والإذاعة لدينا وأن التركمانية هي اللهجة التي نستعملها في يومنا، شأنه في ذلك شأن اللغة العربية، فالأخبار تقرأ في كل الدول العربية باللغة الفصحى بينما يمكن استعمال اللهجة المحلية في البرامج، وكان يعلم أننا نستخدم اللهجة التركمانية في التمثيليات المذاعة مثلا، ولكن هذه الاعتراضات لم تلق الأذن الصاغية لديه. في يوم من الأيام تم فصل رئيسنا سعيد صالح، ثم أعقب ذلك التضييق علينا. وكان أن طلب المرحوم جمال عزالدين مقابلة المدير العام فأبلغه التصرفات المؤذية التي تتخذ في القسم بعد تبديل رئيس القسم واستغرقت مقابلته أكثر من نصف ساعة استمع المدير العام فيها إلى ما عرضه جمال عزالدين الذي ابلغني فيما بعد أن المدير العام قد أصغى إليه بكل انتباه ووعده بأنه سيصلح الأمور على الوجه الأمثل وأنه يعلم أننا قد ناضلنا وتأذينا في أيام الحكم السابق وأنه سوف لن يسمح بالتنكيل بنا. بعد أيام من هذه الواقعة وصلت إلى مبنى الإذاعة بصحبة المرحوم جمال عزالدين حيث كان يصحبني أحيانا بسيارته الصغيرة التي كان قد اشتراها حديثا وهو في طريقه إلى المبنى. عندما دخلنا إلى مبنى الاستعلامات الذي يفضي إلى فناء المبنى اعترضنا مسؤول الاستعلامات وطلب منا تسليم بطاقات هويتنا معلما إيانا بأنه قد تم فصلنا من الإذاعة ولا يحق لنا دخول المبنى وسلمنا قرار الفصل. هاج المرحوم جمال وتخلص من قبضة المسؤول الذي أراد اعتراضه واقتحم المبنى ليتوجه مباشرة إلى مكتب المدير العام ويفتح الباب عنوة ليدخل عليه دون استئذان. استغرب المدير العام من هذا الموقف وأجلسه بكل لطف سائلا إياه عما حدث. وضع المرحوم على طاولته قرار فصلنا نحن الاثنين سائلا إياه عن سبب تطميناته ووعوده التي أدلى بها قبل أسبوع. والغريب أن المدير العام تفاجأ بالأمر وأكد له أن هذا الأمر لم يكن مبرمجا وأن توقيعه كان على هذا الأمر ضمن الأوراق المقدمة إليه ويظهر أنه لم يكن قد خضع للتدقيق وكان مهيئا من قبل مسؤول القسم الذي مر ذكره. وطلب منه التوجه إلى عمله ، كما أصدر تعليماته إلى الاستعلامات للسماح لي بالدخول حيث كنت أنتظر. وفي اليوم التالي صدر قرار إلحاقي من المدير العام بإلغاء أمر الفصل ووجهت نسخ منه إلينا نحن الاثنين مع تضمينه إنذارا بالتمسك بمتطلبات العمل. ويظهر أن هذا النص قد أقحم في الخطاب لتبرير موقف المدير العام الذي لم يحبذ ذكر أنه أخطأ أو أنه قد تم استغلال موقعه في اتخاذ ذلك القرار. في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 حقق عبد السلام عارف انقلابه الثاني خلال عام واحد وأنهى حكم حزب البعث وأصبح رئيسا للجمهورية. في يوم الانقلاب تم استدعاؤنا إلى مبنى الإذاعة وعاونتنا السيارات العسكرية مرة أخرى في الوصول إلى مقر عملنا. في اليوم الثاني اتصل المدير البعثي بالهاتف سائلا عن كيفية وصوله إلى المبنى، فأجابه أحد منتسبي القسم الكردي الذي كان قد عانى هو الآخر من تسلّطه بأن عليه أن يستقل دبابة من الدبابات التي كانت لغاية يوم أمس تحت إمرته ويأتي إلى مبنى الإذاعة. ويجب أن أذكر أن هذا الشخص الذي قررنا جميعا عدم معاتبته والتهجم عليه عند قدومه قد حقق تغيرا ملحوظا فيما بعد، فقد انشق عن حزب البعث وجهر بمعارضته لنظام حكم صدام حسين التسلطي وانخرط في صفوف المعارضة وناضل في صفوفها بكل جرأة. وبعد ثلاثة عقود من الزمن كان أن زارني في الفندق الذي كنت أقيم فيه في مدينة لندن بالمملكة المتحدة فرأيت فيه شخصا آخر يتسم بالحكمة والوفاء والموضوعية. ليس ذلك فقط بل أصبح من أبرز المدافعين عن حقوق التركمان في العراق والحريصين على لغتهم وآدابهم وفنونهم. إنه الآن صديق عزيز نثمن جهوده ليس للتركمان فقط بل لكامل العراق، ولله في خلقه شؤون. تم تعيين ملازم احتياط في منصب المشرف على الأقسام المحلية، ويظهر أن الدولة قد أدركت عبث هذا الإجراء. وعلى أية حال فإنه كان طيب المعشر ومتعاونا معنا على الدوام، بل أنه طلب مني في الأشهر التسعة الأخيرة من عملي في الإذاعة أن أشرف على القسم التركي الموجه أيضا، فأذعنا برامج عن فلسطين والشؤون العراقية والعربية مما استقطب اهتماما طيبا. كنا قد شكلنا لجنة لفحص الأغاني والبرامج المقدمة للقسم لتدقيق مستواها الأدبي كما طلبنا من بعض الخبراء والمثقفين الإسهام في نشاط الإذاعة. وفي يوم من الأيام القليلة التي كنت أقضيها في كركوك جاء إلينا شخص نجلّه ونحترمه ومن عائلة طيبة في كركوك راجيا مني التوسط لتعيين ابن أخيه في الإذاعة لكونه محتاجا للعمل، وأعقب ذلك محادثات ممن قاموا بتزكيته لدى عائلتنا، فقمت بمفاتحة المسؤول المذكور وتم تعيينه في القسم، إضافة إلى تعيين شخص آخر يتقن العربية ولا يتقن التركية. وكان أن شكل هذا الثنائي التركماني عصبة جديدة بأفكار قومية عربية وبدءا بمحاربتنا ومحاولة الوقيعة بيننا.وقد ألهم الله هذا المذيع الناجح أن يرجع بأفكاره لخدمة القضية التركمانية فيما بعد. تم تخرجي صيف عام 1964 من كلية الحقوق وأنا في الحادية والعشرين من العمر، وكان علي أن ألتحق بكلية الاحتياط في دورتها التاسعة عشر، الوجبة الأولى في الأول من شهر أيلول/ سبتمبر، فقدمت خطاب استقالتي من العمل بواقع الحادي والثلاثين من شهر آب (أغسطس) 1964 وبذلك انتهت فترة عملي في القسم التركماني كما قدمت في آخر يوم لي في العمل الحلقة الأخيرة من برنامجي الأدبي ( مجلة الإذاعة) الذي استغرق أكثر من ثلاثة أعوام. لقد حملت معي الكثير من الذكريات منها المحرجة والمحزنة ومنها السعيدة وكانت حقبة جديرة بالكتابة عنها. تعرفنا في تلك الفترة بالكثير من فطاحل الإذاعة ، أذكر منهم ابن عمي المرحوم سعاد الهرمزي شيخ المذيعين المشهور وقد استفدت كثيرا من نصائحه وكنت معجبا بفصاحته ولغته الراقية، ومنهم قاسم السعدي الذي كان رئيس المذيعين في الإذاعة كلها ويشاطرني أحيانا رحلة الحافلة من باب المعظم إلى الصالحية، وكذلك عبد اللطيف السعدون، ولا أنسى الصديق الأديب إبراهيم الزبيدي، مؤلف كتاب “دولة الإذاعة ” رحم الله من انتقل منهم إلى الدار الآخرة وأنعم على الأصدقاء الآخرين بالصحة وطول العمر.

guest
0 Yorum
Inline Feedbacks
View all comments

مكتبة كركوك

الأعمال الخالدة للباحثين والشعراء والكتاب التركمان تحت سقف واحد!

Qardashliq
المواد شعبية
أخبار شعبية